صالح مهدي هاشم
176
المشهد الفلسفي في القرن السابع الهجري
ثم وجدنا ( المرجئة ) وقتها يفلسفون ( مفهوم الايمان ) ، ويضعون له شروطا ميسرة ، ويرجئون أصحاب الكبائر ، ويلتمسون للحاكم شرعية ، ما دام يظهر إسلامه . وجاء بعدهم من وضع يده بيد الحكام ، إلى اخر الشوط ، وكان منهم من كانت له القدرة على الوقوف بوجه الحاكم ، يقول له ما يخدم الدين والدولة ، فمات من مات ليعيش فكره ، وبرز من برز من ( وعاظ السلاطين ) ، ليعيش ويموت فكره . . . إن شريعة الإسلام لم تكن شريعة دينية ، تنظم العلاقات بين الإنسان وربه فحسب ، بل هي أيضا شريعة دنيوية تنظم العلاقة بين أفراد المجتمع . . . في العصر العباسي وطيلة قرونه الخمسة وتزيد ، مضى أغلب المفكرين على ما مضى عليه علماء أصول الفقه في العصر الأموي إلا ما استلزمته أمور الحياة ، وبما شغل الدولة نفسها من مؤامرات وفتن ، حتى سلموا بغداد أخيرا إلى هولاكو ، وهو بدوي ، قد لا يتقيد بدين ، وهو في غفلة عن الثقافة وأمور الفكر ، لا يهمه إلا المحافظة على ملكه الذي أخذه بحد السيف . . . فلم يكن وقت المغول ليتبع للمراقبة والضبط ، كما كان الحكام في الدولة العباسية ، وهذا ما ميز علم أصول الفقه في النصف الثاني من القرن السابع الهجري ، وبالتالي مكن علماء ذلك الزمان ، بالتدقيق أكثر فأكثر في كتب علم الأصول الأخرى ، غير ( العبادات ) مثل ( كتاب المعاملات ) ، ( وكتاب الفقه السياسي ) ، فكانوا يكتبون في هذه التفاصيل بصيغ جديدة . . . السلف الصالح ( رضي اللّه عنهم ) ومنذ وقت مبكر وضعوا قواعد تفصيلية لعملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، وكانت هذه القواعد في بابين رئيسين .